السيد علي عاشور
26
موسوعة أهل البيت ( ع )
قال : « هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع اللّه عليها عبده زكريا ثم قصّها على محمد صلى اللّه عليه واله وسلّم وذلك أن زكريا عليه السّلام سأل ربّه أن يعلّمه أسماء الخمسة ، فأهبط عليه جبرئيل فعلمه إياها فكان زكريا عليه السّلام إذا ذكر محمدا وعليا وفاطمة والحسن صلوات اللّه عليهم سرى عنه همّه وانجلى كربه ، وإذا ذكر اسم الحسين عليه السّلام خنقته العبرة ، فقال ذات يوم : إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسليت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين عليه السّلام تدمع عيني وتثور زفرتي ؟ فأنبأه اللّه تبارك وتعالى عن قصته وقال : كهيعص . فالكاف : اسم كربلاء ، والهاء : هلاك العترة : والياء : يزيد وهو ظالم الحسين ، والعين : عطشه ، والصاد : صبره . فلمّا سمع ذلك زكريا عليه السّلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ومنع فيه الناس من الدخول عليه وأقبل على البكاء والنحيب ، وكانت ندبته : إلهي أتفجع خير خلقك بولده ؟ إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه ؟ إلهي أتلبس عليّا وفاطمة ثياب هذه المصيبة ؟ إلهي أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما ؟ . ثم كان يقول : إلهي ارزقني ولدا تقرّ به عيني على الكبر واجعله وارثا ووصيّا واجعل محله منّي محل الحسين ، فإذا ارزقتنيه فافتني بحبّه ثم افجعني به كما تفجع محمدا نبيّك بولده . فرزقه اللّه يحيى عليه السّلام وفجعه به وكان حمل يحيى عليه السّلام ستة أشهر وحمل الحسين عليه السّلام كذلك » . قلت : فأخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم ؟ قال : « مصلح أو مفسد ؟ » قلت : مصلح . قال : « فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد ؟ » . قلت : بلى . قال : « فهذه العلة أوردها لك ببرهان يثق به عقلك ، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه وأنزل الكتب عليهم وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى عليهما السّلام هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنه مؤمن ؟ » قلت : لا . قال : « هذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم ، فوقعت خيرته